محمد المقداد الورتتاني

302

البرنس في باريس

ببراعة وخفة زائدة ، ولكن لا يضاهون فيها براعة الممثلين والممثلات في الأوبرا . وقد ذكرنا أساليب العرب فيه نقلا عن ابن خرداذبة عند الكلام على الأوبرا بباريز . المجتمعات مجتمعاتهم غالبا مكللة بالوقار ومزدانة بالتربية العالية ومفعمة بالآداب واحترام رأي المتكلم والإصغاء إليه حتى يستوفي كلامه ، وإذا اقتضى الحال التنبيه فبإشارات خفيفة أو الرد فبلطف وبرهان . وربما غضوا الطرف عن بعض هفوات المتكلم . بعيدون عن الخوض في تتبع عورات الناس أو ثلب الأعراض . وبالجملة فليست لهم خائنة الأعين في المجالس ، ولا رفع الصوت في المحادثة ولا حديث في الخلوات يخالفون به رأيهم عند الاجتماعات ، ولا كثرة لغو ولا ضحك بلا موجب في الأحاديث الجدية ، ولا استمرار على التعصب في الرأي إذا ظهر خلافه أصح ، ولا مبالغة في الحديث الفارغ أو تساهل في الترامي على أحضان من لم يكن معه تعرف سابق عن ذلك المجلس ، ولا مخالفة الضمير في التنازل مع بعض الناس متى حضر على خلاف ما إذا غاب . وهم مستحضرون لأدوار التواريخ وواقفون على أحوال الحاضر فيخوضون في سائر أنواع الأحاديث والنوادر بدون تكليف . والسبب في هذا هو التعليم الصحيح بصفة عامة للرجال والنساء . وقد ذكرنا طرفا من تنكيتهم الخفي في مجاري الحديث في فصل جنوب فرانسا وقبل الكلام على طولوز . وصغارهم ذكورا وإناثا لا حرج عليهم في حضور اجتماعات المحادثات والجلوس على الموائد ، حيث لا تخرج الأحاديث عما ينافي الآداب غير أن الغالب عليهم الصمت ، ولا يكون كلامهم إلّا جوابا وبهذا تتلقى الصبيان دروسا عالية عائلية في حالة الانفراد والاجتماع . ومتى رجع الصبيان من المكاتب أو غيرها قبّلوا خدود الآباء والأمهات ، وكذلك قبل ذهابهم إلى غرف النوم ، ويقبل أفراد العائلة يد المرأة المسنة منهم عند الوداع المنزلي . ومن آدابهم البشاشة والابتسام ولو مع عدم الرضى . وبالجملة فالأفراد عندهم يحترمون حقوق بعضهم ، والمعاملات فيما بينهم على أتم صفات الآداب سواء فيها